محمد بن جرير الطبري
87
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذلك عنه صحيحا ، فغير جائز أن يكون صحيحا عنه إباحة ترك غسل بعض ما قد أوجب فرضا غسله في حال واحدة ووقت واحد ، لأن ذلك إيجاب فرض وإبطاله في حال واحدة ، وذلك عن أحكام الله وأحكام رسوله صلى الله عليه وسلم منتف . غير أنا إذا سلمنا لمن ادعى في حديث أوس ما ادعى من احتماله مسح النبي صلى الله عليه وسلم على قدمه في حال وضوء من حدث ، ففيه نبا بالفلج عليه ، فإنه لا حجة له في ذلك . قلنا : فإذا كان محتملا ما ادعيت ، أفمحتمل هو ما قلناه إن ذلك كان من النبي صلى الله عليه وسلم في حال وضوئه لا من حدث . فإن قال : لا ، ثبتت مكابرته لأنه لا بيان في خبر أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في وضوء من حدث ، وإن قال : بل هو محتمل ما قلت ومحتمل ما قلنا ؛ قيل له : فما البرهان على أن تأويلك الذي ادعيت فيه أولى به من تأويلنا ؟ فلن يدعي برهانا على صحة دعواه في ذلك إلا عورض بمثله في خلاف دعواه . وأما حديث حذيفة ، فإن الثقات الحفاظ من أصحاب الأعمش ، حدثوا به عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم ، فبال قائما ، ثم توضأ ومسح على خفيه . حدثنا بذلك أحمد بن عبدة الضبي ، قال : ثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة ح ، وحدثني المثني ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن سليمان ، عن أبي وائل ، عن حذيفة ح ، وحدثنا أبو كريب وأبو السائب ، قالا : ثنا ابن إدريس ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة ح ، وحدثني أبو السائب ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن حذيفة ح ، وحدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي ، قال : ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن حذيفة ح ، وحدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة . وكل هؤلاء يحدث ذلك عن الأعمش ، بالإسناد الذي ذكرنا عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه مسح الأرجل وهم أصحاب الأعمش . ولم ينقل هذا الحديث عن الأعمش ، غير جرير بن حازم ، ولو لم يخالقه في ذلك مخالف لوجب التثبت فيه لشذوذه ، فكيف والثقات من أصحاب الأعمش يخالفونه في روايته ما روى من ذلك ؟ ولو صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كان جائزا أن يكون مسح على نعليه وهما ملبوستان فوق الجور بين ، وإذا جاز ذلك لم يكن لأحد صرف الخبر إلى أحد المعاني المحتملها الخبر إلا بحجة يجب التسليم لها . القول في تأويل قوله تعالى : إِلَى الْكَعْبَيْنِ واختلف أهل التأويل في الكعب ، فقال بعضهم بما : حدثني أحمد بن حازم الغفاري ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا القاسم بن الفضل الحداني ، قال : قال أبو جعفر : اين الكعبان ؟ فقال : القوم هاهنا ، فقال : هذا رأس الساق ، ولكن الكعبين هما عند المفصل . حدثني يونس ، قال : أخبرنا أشهب ، قال : قال مالك : الكعب الذي يجب الوضوء إليه ، هو الكعب الكعبين الملتصق بالساق المحاذي العقب ، وليس بالظاهر في ظاهر القدم . وقال آخرون بما : حدثنا الربيع ، قال : قال الشافعي : لم أعلم مخالفا في أن الكعبين اللذين ذكرهما الله في كتابه في الوضوء هما الناتئان وهما مجمع فصل الساق والقدم . والصواب من القول في ذلك أن الكعبين هما العظمان اللذان في مفصل الساق والقدم تسميهما العرب المنجمين . وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول : هما عظما الساق في طرفها . واختلف أهل العلم في وجوب غسلهما في الوضوء وفي الحد الذي ينبغي أن يبلغ بالغسل إليه من الرجلين نحو اختلافهم في وجوب غسل المرفقين ، وفي الحد الذي ينبغي أن يبلغ بالغسل إليه من اليدين . وقد ذكرنا ذلك ودللنا على الصحيح من القول فيه بعلله فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا يعني بقوله جل ثناؤه : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً وإن كنتم أصابتكم جنابة قبل أن تقوموا إلى صلاتكم فقمتم إليها فاطهروا ، يقول : فتطهروا